أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
420
شرح مقامات الحريري
مثلت له قارورتي فرأى بها * ما اكتن بين جوانحي وشغافي يبدو له الدواء الحفيّ كما بدا * للعين رضراض الغدير الصافي وكثرة الكلام وقف على أهل الحجامة ، ولذلك صرف الحريريّ بين الشيخ وابنه ما تقدّم في هذه المقامة . وكان الفقيه الأعمش أكثر الناس تبرّما إن أعاد أحد عليه سؤالا انتهره ، وأخطأ يوما على قوم ، فقالت لهم امرأته من وراء الستر : احملوا عنه فو اللّه ما يمنعه من الحج منذ ثلاثين سنة إلا مخافة أن يظلم كريّه أو يشتم رفيقه ، وكثر عليه الشّعر فقال له تلامذته : لو أخذت من شعرك ؟ فقال : لا نجد حجاما يسكت ، قالوا له : نأتيك به ، ونأخذ عليه أن يسكت حتى يفرغ ، قال : افعلوا . فأتي بحجام ووصّي ألا يكلمه ، فبدأ بحلقه ، فلما أمعن سأله في مسألة فنفض ثيابه ، وقام بنصف رأسه محلوقا ، حتى دخل بيته ، فأخرج الحجّام ، وأتي بغيره ، فقال : واللّه لا أخرج إليه حتى توصّوه ، وتحلّفوه ، فحلف ألّا يسأله في شيء ، وحينئذ خرج إليه . ومقامة الحجام في البديعية ، منها قال عيسى بن هشام : فطلبت حجاما فجاءوا برجل نظيف ، ظريف لطيف ، فارتحت إليه ، وسلّمت عليه ، فقال لي : السلام عليك ، من أيّ بلد أنت ؟ فقلت : من مصر ، فقال لي : حيّاك اللّه ، من أرض النعمة والرفاهة ، وبلد السنة والجماعة ، ولقد حضرت في رمضان جامعها ، وقد اشتعلت المصابيح ، وأقيمت التراويح ، فما شعرنا إلا بمدّ النيل ، قد أتى على تلك القناديل ، ولكن صنع اللّه لي بخف ، كنت لبسته رطبا فلم يحصل طرازه على كمّه ، وعاد الصبيّ إلى أمّه ، بعد أن صلّيت العتمة ، واعتدل الظلّ ، ولكن كيف كان حجّك ، هل قضيت مناسكه كما وجب ، وصاح الصبيان : العجب العجب ، فنظرت إلى المنارة ، وما أهون الحرب عند النّظّارة ووجدت الهريسة على حالها ، فعلمت أنّ الأمر بقضاء من اللّه وقدر ، وإلى متى هذا الضجر ، واليوم وغد ، والسبت والأحد ، ولم أكثر وأطيل ، وما أكثر القال والقيل ، وإن أردت أن تعلم المبرّد حديد الموسى في النّحو فلا تشتغل بقول العامة ، فلو كانت الاستطاعة قبل الفعل لحلقت رأسك ، فهل ترى يا سيدي أن ابتدئ ؟ . قال عيسى : فبقيت واللّه متعجّبا من هذيانه ، وسألت عنه فإذا هو أبو الفتح قد غلب السّواد عليه ، فتركته وانصرفت فهذه غرارة حجام على الحقيقة . قال الشيخ الإمام الرئيس أبو محمد القاسم بن علي رضي اللّه عنه : قد أودعت هذه المقامة بضعة عشر مثلا من أمثال العرب ، وها أنا أفسّر منها ما إخاله يلتبس ، على من يقتبس . أما قوله : بطء فعد ، فهو مولى عائشة بنت سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه ، وكانت بعثته بالمدينة ليقتبس لها نارا ، فقصد من فوره مصر ، وأقام بها سنة ، ثم جاءها بعد السّنة وهو يشتدّ ومعه جمر ، فتبدّد منه فقال : تعست العجلة ! .